الحكيم الترمذي
21
كيفية السلوك إلى رب العالمين
ويتنفس الصعداء ، ويقول : تقضي العمر وما أنتج لي طلبي إلا الحيرة والقصور ، فذلك أسعد أهل الفكر ؛ ولذلك ورد الخبر : « علماء هذه الأمة كأنبياء بني إسرائيل » « 1 » . . وقال تعالى فينا : لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ [ البقرة : 143 ] . وقال في حق الرسل عليهم السلام : وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ [ النّحل : 89 ] فنحن والأنبياء شهداء على أتباعهم . فاصرف الهمة في الخلوة للوراثة الكلية المحمدية ، واعلم أن الحكيم الكامل المحقق المتمكن هو الذي يعامل كل حال ووقته بما يليق ولا يخلط . وهذه حالة محمد ( صلى اللّه عليه وسلم ) ، فإنه كان قربه كقاب قوسين أو أدنى . ولما أصبح وذكر للحاضرين ، لم يصدقه المشركون ؛ لكون الأثر ما ظهر عليه ، بخلاف غيره مما ظهر عليه الأثر ، فكان يتبرقع ، ولكن لا بد لكل سالك من تأثير الأحوال فيه ، وخلطة العوالم بعضها ببعض . ولكن ينبغي له الترقي في هذا المقام ، أي مقام الحكمة الإلهية الجارية على القانون المعتاد في الظاهر ، ويصرف خرق العوائد إلى سره ، حتى ترجع له خرق العوائد عادة لاستصحابه . ولا يزال يقول في كل نفس : وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً [ طه : 114 ] . ما دام الملك يجري بنفسه ، وليجتهد أن يكون وقته نفسه ، وإذا ورد عليه وارد الوقت يغلبه ، وليحذر من التعشق به ، ويحفظه ، فإنه يحتاج إليه إذا ربا . فأكثر الشيوخ إنما أتى عليهم في التربية لما فرطوا في حفظ ما ذكرناه ، وزهدوا فيه زهدا كليا . ويطول الوقت ويقصر بحسب حضورها فيه . فمنهم من وقته ساعة ، ويوم ، وجمعة ، وشهر ، وسنة واحدة ، ومرة واحدة في عمره . ومن الناس من لا وقت له ، وغلو الشخص يدل على طول وقته ، والذي لا وقت له إنما حرم الحكم لتهينه عليه . فإن باب الملكوت والمقار فيه من المحال أن يفتح في القلب شهوده للملك والملكوت . وأما باب العلم باللّه من حيث المشاهدة فلا يفتح وفي القلب لمحة العالم بأسره ،
--> ( 1 ) أورده العجلوني في كشف الخفاء ، حديث رقم ( 1744 ) [ 2 / 83 ] .